إلى روحك السلام

لا يميز طفولتى شيئا. ابى كان دائم العمل يحمّلنا ذنب طول ساعات عمله وامى كانت دائما فى المطبخ تشتكى من وجودها الدائم فيه. لا أتذكر شيئا آخر. تعلمت واكلت وكبرت مثل باقية الإنسانية. تذكرت يوم شعرت بحوائط غرفة نومى تضيق على كأنها تطبق على صدرى وكأن الهواء قد سحب منها. تذكرت يوم عرفت أن كل ما يستجد من أحداث هى مؤامرة علينا او على الأقل هذا ما يذيعونه مرارا وتكرارا. كل شىء مؤامرة حتى فُقدت قوتنا وخرج كل شىء عن سيطرة. حين آتى نسيم الربيع بأحلامنا فى عز الشتا كان مؤامرة. مؤامرة من الداخل والخارج علينا حتى كرهت الحرية واشتقت للظلم. ولكن حتى كرهى للحرية لم يكن قرارى. نحن أيضأ الملامون فى التغير المناخى. كل الدمار الشامل ليس له اى ذنب. صناعة الأسلحة والحرب بها علينا نحن الشعوب العزل لا تؤثر فى المناخ ولكن نحن المذنبون اذا اشترينا احتياجتنا من الأطعمة مغلفة بالبلاستيك التى لما نختاره، حتى كرهت الذهاب إللى البقالة. سعر البترول والغاز مؤامرة علينا. تلك الأم فى قرية نائية غير معروفة هى المذنبة لسعر فاتورة الغاز التى تطبخ عليه واجبة واحدة لأطفالها فى اليوم. نحن تسببنا فى ارتفاع أسعارهم. كنت اذهب إلى العمل كل يوم حين كنت أعتقد اننا نتحكم فى مصير حياتنا ولكن حين آتت الأزمة المالية سحقتنا وسحقت كل التقارير والأحلام المصيرية إلتى كنت أسهر عليها. لم تنقذنى ولم أملك تغيير مصير حياتى حينئذ. فأصبحت اكره الذهاب للعمل. كانت تخنقنى رابط العنق كحبل المشنقة. كرهت امتلاك الاشياء ولم أجد طريق للهروب.

ثم آتى الوباء. ف الحقيقة لا أعلم إن كان هو رحمة او نقمة او مؤامرة. ولكنه أظهر كم هى هشة كل الأنظمة! سُجِنا فى بيوتنا للحفاظ علينا والتقليل من الأضرار والأموات. أرض الله واسعة ولا نملك فيها شجرة تطعمنا وجعلونا نتسابق على أخر كيس أرز فى المحال خوفاً من الجوع، وخوفا من الحظر وكل ذلك دون حرب ودون مجاعة… لم نعد نضحك لبعض فى الشارع خوفا من العدوى. نتهرب من الجيران والأصحاب. شعرت بالغضب وقلة الحيلة…. مرة أخرى. كل الأنظمة فشلت فى خدمة البشرية. فاخترت الشارع. رعشة برد الشارع التى تنمل أطرافى تمنعنى عن التفكير فى كل ما يدور فى العالم من أحداث لا استطع تغييرها ولكن يبدو أننى المذنب فيها بطريقة ما. الجوع يخدرنى عن التفكير فى المؤامرات العالمية. فقط بقعة الرصيف هذه التى امتلكها بحق النوم هى لى وهى مصيرى. النوم ف الشارع هو مؤامرتى الوحيدة على نفسى التى اختارتها بكل إرادتى فى هذا العالم.

إلى الشاب الذى مات من البرد فى الشارع. إلى روحك السلام.

عن الاندماج

ويبقى السؤال
هل اندمجت ف المجتمع؟
ده يعتمد على نوع الاندماج
ومين إللى بيسأل السؤال
انا عن نفسى اندمجت
بعد توهج الانبهار
وصدمة الثقافات
بقيت بقول هالو
الجو شكله هيمطر انهاردة؟
مع انه هو هو
نفس شكله من يومين
وبشترى الجرايد
وبعرف حبة عادات
وكمان باقرأ خريطة المواصلات
ومع ان الاندماج زاد
وبقى عندى صحاب من زمان
بس الانقباض منتهاش
والنومة مش بعمق
زى نومة بيتنا القديم
بخاف لا يفوتني رنة جرس
أو تليفون من مدرسة العيال
أو يفوتنى البوسطجى
بجواب للمهاجرين الجداد
ومع أن الاندماج زاد
وبقى فيه عِشرة مع الجيران
وعيالى بيلعبوا مع عيالهم
زى ما كنا احنا زمان
بس الوحدة هى هى
اول ما بتتقفل البيبان
ايوا الاندماج زاد
عرفت اسماء الشوارع
والمحطات
وأسأل لما أتوه
وزاد كمان معاه الفيتامينات
يمكن تعوض
نور الشمس
وخفة للدم
وونس الأهل والمناسبات
ايوا زاد الاندماج
بتكلم اللغة
وبقرأ الإرشادات
بس القلق لسه منتهاش
بيفوتنى كلام كتير
صعب أعوض تراث وحكايات
بعد كام سنة
على كام حصة اندماج
وبعمل نفسى بضحك
على الايفهات
ايوا اندمجت ظاهريا
اندماج يليق بالسؤال
وداخليا يليق بى
كإنسان بين بلاد
وبسرعة تتناسب عكسيا
مع فرضية الاندماج