“بل التماثيل أيضاً تموت إن لم ننظر إليها” يانيس ريتسوس

وقفت تنظر إلى ماكينة التذاكر الألمانية المعقدة بأعين نصف مغلقة كأنها تبكى. وكعادة الأطفال، وقفوا أطفالى يحدقون ويسألونى ماذا بها، فأجبتهم فى عجلة من أمرى كالكبار المهمين: لا أعلم، عيب، لا تحدقوا بها،  لا يعنينا الأمر … ولكن لا يتحرك إبنى كأنه استنكر ردى… فأشعرنى بصغر حجمى… أنظر إليها واضطر فى خجل ان أسألها اذا كان كل شىء على ما يرام…

تخبرنى إنها فقط تريد أن تحجز تذكرة ذهاب واحدة ولا تعلم كيف، وتخبرنى إنها درست الطب ولكنها لا تستطيع فك شفرات هذه الماكينة. أطمأنها أن هذه المكينة لعينة وإننى كثيراً ما بكيت أمامها من قبل …. أنتِ لستِ من هنا؟ أنا من ليبيا … ليبيا! لنتحدث بالعربى إذن! تجرى ابنتها نحو السلم ونحو المصعد وتدفع الأطفال وتبكى أمام كشك المحطة تريد الآيس كريم…  عذراً سفرنا طويلاً عبر البحر والحدود والحواجز وظننت أن رحلتنا قد انتهت مع أخر حاجز ولكن فجأة اصبح العالم أكبر من رحلتى وبدا الطريق أطول عندما استعصيت على هذه الماكينة المفزعة فى أوله. أود لو كانت إنسان فربما نظرت فى عينى وعرفت من أكون وما أريد… أشعر بصغر حجمى مرة اخرى. هذا ما تفعله بنا البلاد، تُصّغِرُنا و تختزلنا فى مشاهد على الحواجز أو فى سفن دون شراع… فى حقائب سفر أو حين نُسأل عن تذكرة رحلة حتى نَنسى ما كنّا عليه يوماً.

إنتهينا من حجز التذكرة. ونسينا تفاهة الحياة عندما ركضوا أطفالنا نحو كشك الآيس كريم… . أظن أنه، أحياناً، يجب أن يعنينا الأمر  كالأطفال.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s