رسالة إلى إبنى

اكتب لك حتى لا تنسى
حين سألتنى لما لم يعد يتذكرنا البعض
لما لم نعد نلتقى
مع من نحب.
حبيبى تعددت الأعذار
يقول البعض أن الحياة تلاهى
والبعيد عن العين بعيد عن القلب
ويقول جدك ان ان البشر يتذكرون الناجح فقط
وإن سألتنى فإننى أرى البشر كأمواج البحار
فى العادى لا يمكثون
يأتون عندما يحين موعد لقاءهم
ثم يختفون
بعضهم لا يقوى على الارتطام بالشاطىء
فيتلاشون مع الامواج
بعضهم يندفع بقوة فيتركوننا كالحطام
والبعض نقابلهم فى ذروة الموجة
أحلامهم أكبر من التوقف
أكبر من مردود لحظة لقاءنا
والبعض قد عكر البحر صفاءهم
فإمتلئ قلبهم برواسب أعماقه
يحملون عبء الماضى
يتوارون عنا
يتهربون من اللقاء
لا يعرفون سوى الهجر
وبعضهم يأتى بثبات
فيختلطون برمال حياتنا
ولكن يتبخرون مع نسيم البحر
يخرجون كما دخلوا
حبيبى لا أعرف لما لم نعد نرى من نحب
ولكننى اعرف ذلك
أننا يجب ان نجد مكان ف قلوبنا للتسامح
لكل من رحل
ولكل من لم يعد يتذكرنا
ولكل من غيرت الحياة قلبه
لان قلوب العباد
بين إصبعين من أصابع الله

جبر الخواطر

طقس “برليني” بامتياز، فالسماء رمادية و الأمطار لم تتوقف منذ أيام واخبار مصر “بلاد الشمس” أكثر رمادية، أو سوداء ان شئنا الدقة. وهربا منهم جميعا احكى حكايات دافئة لعيالى عن ايّام ما كنّا صغيرين…تذكرني بدايات الشتاء بجدتي لأمي، التى لم تعرف تكتب سوا اسمها. سبعة من الأبناء و البنات وحياة عامرة بين ثلاث مدن بلبيس وبورسعيد والقاهرة وعمرا مديدا و تربية أحفاد وكثير من الخير و من الطقوس والعادات. ولعل ما بقى فينا الأحفاد ليومنا هذا منها هو “الشاي باللبن” الذى كان تحضره لنا كل صباح قبل الذهاب للمدرسة …. وعاشت عمرا لم تتوقف خلاله عن رعاية الأبناء و الأحفاد و أبناء الأحفاد و لكنها لم تطلب يوما كوب الشاي باللبن من أحد منه. كبرنا وكبرت هى أيضا وانتقلت للعيش فى بيت امى. رغم صحوها المبكر قبل الجميع لتصلى الفجر، تبقى في فراشها منتظرة ان يقوم أحد منا بإعداد كوب الشاي باللبن الذى تحبه دون ان تطلب واحضاره لها قبل ذهابنا اللى جامعاتنا او عملنا وكانت تفرح وتدعى لنا من قلبها حين لا ننسى هذا الكوب ونحضره لها دون ان تطلبه. لم أفهم يوما سر هذا التصرف الغريب …. فهمته الآن وتذكرتها وأنا اصنع لعيالي الشاي باللبن و حكيت لهم كثيرا عن عائشة و عن الشاي باللبن و عن جبر الخواطر لمن نحب….

حبر المطار

ارقام كتير على شاشات
نظرات تأهب 
كيلو وزن زايد
يوقفك بالدقايق
بالساعات
وخير زاد السفر
بطاقة الهوية
مكتوبة أو مدارية
والبطاقة العائلية
ف صورة أو معاك 
وقلمك
 لأن دايما السؤال:
حد معاه قلم؟ 
أى حاجة تانية مش مهمة
أى حاجة تانية تروح وتيجى
إلا الأوراق الرسمية
ولحظة الوداع

فى كابينة الجوازات
محتاجين يمضوا
مسموح الخروج
لكن الظابط قلمه ضاع 
اخد الحبر منى
ومع أن الحبر حبرى
والختم من حقى
سأل ميت سؤال
يا حضرة الظابط مش هتفرق
تعددت الأسباب
والسفر واحد
الأرض أرض الله واسعة
غيرش بس شوية الحدود واللغات

وقبل بوابة الإقلاع 
ناس بلبس مدنى
اختارونى 
قالوا عينة عشوائية
فتشونى
وأما إتاكدوا إنى مش خطر
الظابط محتاج يختم
إنى سلمى 
قلمه الحبر خلص 
اخد الحبر منى 
عشان يكتب جنب أسمى
مش إرهابية
جاية وماشية ف سلام

وقبل بوابة الصعود 
طفل بكى
رسمت طيارة على الورق
 الحبر حبرى
والدموع معرفلهاش
اول كلمات هيتعلمها
طيارة، تفتيش، تحية الظباط
واول خطوة هيتعلمها
هيعدى بيها البوابات

وقبل السفر
حبيت اكتب
اسم ابنى جنب أسمى
والعنوان هنا او هناك
لو يتوه أو أتوه
محدش ضامن الأيام
وقبل ما الحق اكتب
اول حروف لاسمه
خلص الحبر منى
قبل ما نبدأ المشوار

“بل التماثيل أيضاً تموت إن لم ننظر إليها” يانيس ريتسوس

وقفت تنظر إلى ماكينة التذاكر الألمانية المعقدة بأعين نصف مغلقة كأنها تبكى. وكعادة الأطفال، وقفوا أطفالى يحدقون ويسألونى ماذا بها، فأجبتهم فى عجلة من أمرى كالكبار المهمين: لا أعلم، عيب، لا تحدقوا بها،  لا يعنينا الأمر … ولكن لا يتحرك إبنى كأنه استنكر ردى… فأشعرنى بصغر حجمى… أنظر إليها واضطر فى خجل ان أسألها اذا كان كل شىء على ما يرام…

تخبرنى إنها فقط تريد أن تحجز تذكرة ذهاب واحدة ولا تعلم كيف، وتخبرنى إنها درست الطب ولكنها لا تستطيع فك شفرات هذه الماكينة. أطمأنها أن هذه المكينة لعينة وإننى كثيراً ما بكيت أمامها من قبل …. أنتِ لستِ من هنا؟ أنا من ليبيا … ليبيا! لنتحدث بالعربى إذن! تجرى ابنتها نحو السلم ونحو المصعد وتدفع الأطفال وتبكى أمام كشك المحطة تريد الآيس كريم…  عذراً سفرنا طويلاً عبر البحر والحدود والحواجز وظننت أن رحلتنا قد انتهت مع أخر حاجز ولكن فجأة اصبح العالم أكبر من رحلتى وبدا الطريق أطول عندما استعصيت على هذه الماكينة المفزعة فى أوله. أود لو كانت إنسان فربما نظرت فى عينى وعرفت من أكون وما أريد… أشعر بصغر حجمى مرة اخرى. هذا ما تفعله بنا البلاد، تُصّغِرُنا و تختزلنا فى مشاهد على الحواجز أو فى سفن دون شراع… فى حقائب سفر أو حين نُسأل عن تذكرة رحلة حتى نَنسى ما كنّا عليه يوماً.

إنتهينا من حجز التذكرة. ونسينا تفاهة الحياة عندما ركضوا أطفالنا نحو كشك الآيس كريم… . أظن أنه، أحياناً، يجب أن يعنينا الأمر  كالأطفال.

رسالة إلى أختى

لما بتوحشينى بفتكر أما كنا سوا
كنا نستخبى من وحوش الليل
مرسومين على الحيطان
كنا نسمع قصص وحواديت
وإحنا بنتدفى تحت اللحاف
كنا نسهر نقزقز لب ونشوف الأفلام
ونصلى الفجر جماعة وننام
ونشرب شاى باللبن الصباح
ونسقّى بسكوت العيد
لحد لما يبقى فتافيت ف الكوبيات
ونمشى على الترعة ف المغربية
ونسرق الثمر من الغيطان قبل الأوان

كنا نشارك أحاسيسنا
فى أول الحب وأول كسرة قلب
وأول كتاب قريناه
وأول فسحة فى السر
وأول سفر مش إجبار
وأول وداع

كنا سند لبعض
فى الفشل قبل النجاح
لما كنت أغرق أمد آيدى
أمسك فى طوق نجاة
أمسك فى ميثاق الدم
فى نسيم وآمان
وكنا نشيل بواقى الحاجات
فى صندوق الكراكيب
نحوش فيه باقى الشلينات
نشيل فيه جوابات الصحاب
وأقلام رصاص وأحلام

أختى حبيبتى
زادت وحوش الليل
قامت من ع الحيطان
والفتافيت مبقتش بسكوت
بقيت ذكريات
وأحاسيسنا مبقتش كفاية تمنع فراق
زادت صناديق الكراكيب
وزادت معاها الحاجات
بقى فيها أفكار منسية
وبواقى أحلامنا سوا
وفيها أسرار مستنية اللقاء
وجوابات كتير من غير عنوان
وكام رقم تليفون ليكى مغلق أو غير متاح
وعتاب لسنين اتنسى معاهم كلام
وفيها قصاقيص أخبار
وصور بتواريخ
لأحداث معدش ليها إى عازة
غير إثبات إننا كنا سوا
ف نفس المكان
فى لحظة صفا وراحة بال
قبل لما تبعدنا المسافات

النداهة

رحت للعرافة
تقرالى فنجانى
قالتلى فنجانك فاضى
معنديش دواكِ
شفاكِ عند شيخ الطريقة
رحت البيت الطاهر
قالى خِلصت الكلمات
شفاكِ ف البيت القديم
دورى على جذرك
تلاقى اصلك
مشيت لآخر المدينة
تهت فى الزحام
عوالم متوازية
مهرجانات وموالد
زرعة طلعت شيطاني
مسقية من بَركة الطين
منسية بين حجر الرصيف
وناس كتير أكوام
حكاويهم سحرتنى
دعوة أم نجتنى
طبطبة على كتفى
هونت الطريق
فَتحت قلبى
قالى شفاكِ فى محبة الخلق
تملى صدرك بطيبتهم
وتكملى المشاور

إلى روحك السلام

لا يميز طفولتى شيئا. ابى كان دائم العمل يحمّلنا ذنب طول ساعات عمله وامى كانت دائما فى المطبخ تشتكى من وجودها الدائم فيه. لا أتذكر شيئا آخر. تعلمت واكلت وكبرت مثل باقية الإنسانية. تذكرت يوم شعرت بحوائط غرفة نومى تضيق على كأنها تطبق على صدرى وكأن الهواء قد سحب منها. تذكرت يوم عرفت أن كل ما يستجد من أحداث هى مؤامرة علينا او على الأقل هذا ما يذيعونه مرارا وتكرارا. كل شىء مؤامرة حتى فُقدت قوتنا وخرج كل شىء عن سيطرة. حين آتى نسيم الربيع بأحلامنا فى عز الشتا كان مؤامرة. مؤامرة من الداخل والخارج علينا حتى كرهت الحرية واشتقت للظلم. ولكن حتى كرهى للحرية لم يكن قرارى. نحن أيضأ الملامون فى التغير المناخى. كل الدمار الشامل ليس له اى ذنب. صناعة الأسلحة والحرب بها علينا نحن الشعوب العزل لا تؤثر فى المناخ ولكن نحن المذنبون اذا اشترينا احتياجتنا من الأطعمة مغلفة بالبلاستيك التى لما نختاره، حتى كرهت الذهاب إللى البقالة. سعر البترول والغاز مؤامرة علينا. تلك الأم فى قرية نائية غير معروفة هى المذنبة لسعر فاتورة الغاز التى تطبخ عليه واجبة واحدة لأطفالها فى اليوم. نحن تسببنا فى ارتفاع أسعارهم. كنت اذهب إلى العمل كل يوم حين كنت أعتقد اننا نتحكم فى مصير حياتنا ولكن حين آتت الأزمة المالية سحقتنا وسحقت كل التقارير والأحلام المصيرية إلتى كنت أسهر عليها. لم تنقذنى ولم أملك تغيير مصير حياتى حينئذ. فأصبحت اكره الذهاب للعمل. كانت تخنقنى رابط العنق كحبل المشنقة. كرهت امتلاك الاشياء ولم أجد طريق للهروب.

ثم آتى الوباء. ف الحقيقة لا أعلم إن كان هو رحمة او نقمة او مؤامرة. ولكنه أظهر كم هى هشة كل الأنظمة! سُجِنا فى بيوتنا للحفاظ علينا والتقليل من الأضرار والأموات. أرض الله واسعة ولا نملك فيها شجرة تطعمنا وجعلونا نتسابق على أخر كيس أرز فى المحال خوفاً من الجوع، وخوفا من الحظر وكل ذلك دون حرب ودون مجاعة… لم نعد نضحك لبعض فى الشارع خوفا من العدوى. نتهرب من الجيران والأصحاب. شعرت بالغضب وقلة الحيلة…. مرة أخرى. كل الأنظمة فشلت فى خدمة البشرية. فاخترت الشارع. رعشة برد الشارع التى تنمل أطرافى تمنعنى عن التفكير فى كل ما يدور فى العالم من أحداث لا استطع تغييرها ولكن يبدو أننى المذنب فيها بطريقة ما. الجوع يخدرنى عن التفكير فى المؤامرات العالمية. فقط بقعة الرصيف هذه التى امتلكها بحق النوم هى لى وهى مصيرى. النوم ف الشارع هو مؤامرتى الوحيدة على نفسى التى اختارتها بكل إرادتى فى هذا العالم.

إلى الشاب الذى مات من البرد فى الشارع. إلى روحك السلام.

عن الاندماج

ويبقى السؤال
هل اندمجت ف المجتمع؟
ده يعتمد على نوع الاندماج
ومين إللى بيسأل السؤال
انا عن نفسى اندمجت
بعد توهج الانبهار
وصدمة الثقافات
بقيت بقول هالو
الجو شكله هيمطر انهاردة؟
مع انه هو هو
نفس شكله من يومين
وبشترى الجرايد
وبعرف حبة عادات
وكمان باقرأ خريطة المواصلات
ومع ان الاندماج زاد
وبقى عندى صحاب من زمان
بس الانقباض منتهاش
والنومة مش بعمق
زى نومة بيتنا القديم
بخاف لا يفوتني رنة جرس
أو تليفون من مدرسة العيال
أو يفوتنى البوسطجى
بجواب للمهاجرين الجداد
ومع أن الاندماج زاد
وبقى فيه عِشرة مع الجيران
وعيالى بيلعبوا مع عيالهم
زى ما كنا احنا زمان
بس الوحدة هى هى
اول ما بتتقفل البيبان
ايوا الاندماج زاد
عرفت اسماء الشوارع
والمحطات
وأسأل لما أتوه
وزاد كمان معاه الفيتامينات
يمكن تعوض
نور الشمس
وخفة للدم
وونس الأهل والمناسبات
ايوا زاد الاندماج
بتكلم اللغة
وبقرأ الإرشادات
بس القلق لسه منتهاش
بيفوتنى كلام كتير
صعب أعوض تراث وحكايات
بعد كام سنة
على كام حصة اندماج
وبعمل نفسى بضحك
على الايفهات
ايوا اندمجت ظاهريا
اندماج يليق بالسؤال
وداخليا يليق بى
كإنسان بين بلاد
وبسرعة تتناسب عكسيا
مع فرضية الاندماج

رائحة الياسمين

رائحة الياسمين تذكرنى بك. كنت تحب أن تزرعه فى حديقة كل بيت ننتقل للعيش فيه. كل مرة نسافر الى بلد جديد، تحمل معك شتلة الياسمين من أرض والدك ونسافر بيها… حين كان مسموح ان ننقل ورودنا عبر الحدود وتفتيش المطارات. لم افهم سبب حملك لها طوال رحلات السفر. كانت تلك الشتلة الضعيفة مصدر ازعاج لنا، حيث تظهر من وسط مقاعد الطائرة ويضحك علينا المسافرون. أدركت اليوم معناها حين حمل نسيم الصيف رائحتها إلي. نحمل أغرب الأشياء فى حقائب سفرنا حين نكبر ونسير بعيدا. زيتون وبلح من ارضك وذكريات كانت تبدو تافهة يوما ما وقصص كثيرة.  شكرا لكل أول وردة ياسمين وضعتها على مكتبى. رأيتهم… رأيت كل واحدة فيهم. وعندما كانت تزهر شجرة الياسمين فى بيوتنا كل صيف، كنت أعلم أن وقت العودة قد حان.